مصطفى صادق الرافعي

31

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الأمة على ذلك بالطاعة وأحرق كل امرئ ما كان عنده مما يخالفها ترتيبا أو قراءة ، وأطبق المسلمون على ذلك النسق وذلك الحرف ، ثم أقبلوا يجدّون في إخراجها وانتساخها . ولقد روى المسعودي أنه رفع من عسكر معاوية في واقعة صفين نحو من خمسمائة مصحف ، وهي الخدعة المشهورة التي أشار بها عمرو بن العاص في تلك الواقعة ، ولم يكن بين جمع عثمان إلى يوم صفين إلا سبع سنوات « 1 » . وهنا أمر لا مذهب لنا دون التنبيه عليه ، وذلك أن جمع القرآن كان استقصاء لما كتب ، واستيعابا لما في الصدور ، فكانوا لا يقبلون إلا بشهادة قد امتحنوها ، أو حلف قد وثقوا من صاحبه ، وإلا بعد العرض على من جمعوا وعرضوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فإن الصحابة كانوا لا يحسنون التهجي ، وقد يكتبون ما يقرءون على وجه من وجوه الكتابة ، أو يكتبون بحرس من القراءات ، كالذي رواه ابن فارس بسنده عن هانئ قال ؛ كنت عند عثمان رضي اللّه تعالى عنه وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب فيها « لم يتسن » و « فأمهل الكافرين » ، و « لا تبديل للخلق » قال : فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين ، وكتب « خلق اللّه » ومحا « فأمهل » وكتب « فمهل » وكتب « يتسنّه » ألحق فيها هاء والقراءة على هذا الرسم . فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظنّ والتأويل ، واستخراج الأساليب الجدلية من كل حكم وكل قول « إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء ، حملا على ما وصفوا من كيفية جمعه ، وهو باطل من الظن ، لما علمته من انباء حفظته الذين جمعوه وعرضوه ، ثم لما رأيت من تثبّتهم في ذلك حتى جمعت لهم الصحة من أطرافها ، ثم لإجماع الجم الغفير من الصحابة على أن ما بين دفتي المصحف

--> ( 1 ) هذا إن صحت رواية المسعودي ، ونحن لا نوثقها ، ونحن لا نوثقها ، لأن الرجل مؤلف أخبار يحتمل لها من كل وجهه ، أما الرواية التي نرضاها فهي ما رواه ابن قتيبة من أن عليا نادى أصحابه فأصبحوا على رايتهم ومصافهم ، فلما رآهم معاوية وقد برزوا للقتال قال لعمرو بن العاص ، يا عمرو ، ألم تزعم أنك ما وقعت في أمر قط إلا وخرجت منه ؟ قال : بلى ! قال : أفلا تخرج مما ترى قال : واللّه لأدعونهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم ويزداد جمعك إليك اجتماعا : إن أعطوك اختلفوا ، وإن منعوك اختلفوا ! قال معاوية : وما ذلك قال عمرو : تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ما فيها . فو اللّه لئن قبله لتفترقن جماعته ، ولئن رده ليكفرنه أصحابه ! . فدعا معاوية ( بالمصحف ) ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند ، فنشره بين الصفين ، ثم نادى اللّه اللّه في دمائنا البقية ! بيننا وبينكم كتاب اللّه . فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى علي فقالوا : قد أعطاك معاوية الحق ، ودعاك إلى كتاب اللّه ، فاقبل منه ورفع صاحب معاوية ( المصحف ) وهو يقول بيننا وبينكم هذا . . . الخ الخ . وإن لم تكن هذه الرواية هي حقيقة الواقع فليس أشبه بحقيقة الواقع منها .